أحمد بن علي القلقشندي

226

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وأن يقتصد مع ذلك . ثم قال : وينبغي أن يقصد إلى استعمال الدّعابة في المواضع اللائقة بها ، والأحوال المشابهة لها ، ولا يودع بابا من الأبواب ما لا يحتمله من الخطاب ، فإنّ القصد في هذا النّوع من المكاتبات إنما هو الإعراب عن الظَّرف والبراعة ، والإبانة عن طلاقة النّفس ، والانسلاخ من تعبيس الفدامة ( 1 ) والجهامة ، ثم عقّب ذلك بأن قال : ومن وقف من ذلك عند الحدّ الكافي ، ولزم فيه الأدب اللائق بأهل التّصافي ، دلّ على ما ذكرناه ، وشهد لمستعمله بإحراز ما وصفناه ، ومن تعدّى ذلك عدّ من المجون والملاعبة ، وحسب من رذالة الطبع ونذالة الخيم وسفه اللسان ، وغير ذلك من الأمور الَّتي لا تليق بالكاتبين الكرام ، الذين هم خيار الأنام ، وولاة النقض والإبرام . وختم ذلك بأن قال : والكاتب إذا كان مهيّأ الطبع للانطباع برسوم الصّناعة ومناسبة أوضاعها ، أغناه الوقوف على هذا القول المجمل في استعمال ما يقع في هذا الباب عن تمثيل مفصّل ، ولم يذكر له مثالا . ابن أبي الخصال : سيّدي وواحدي الذي اجمّل ذكره ، وأوالي شكره ، لا زال مغناك رحيبا ، وزمانك خصيبا ، ولا زلت تأخذ لأخراك نصيبا ، عبدك فلان مؤدّيها ينتجع الكرام ، ويباري في جريها الأيّام ، فتارة يجمع ، وأخرى يفرّق ، وطورا يغرّب ، وطورا يشرّق ، وأمّ الحضرة - وصل اللَّه حراستها وأدام بهجتها ونفاستها - والملك بها غضّ الشّباب ، وأخضر الجلباب ، وإحسانك إحسانك ، ومكانك من المروءة مكانك ، فأوسعه قرى ، واملأ عينيه على الشّبع كرى ، أستغفر اللَّه ، بل أمجده تبنا وعلفا ، وأركبه حزنا ( 2 ) من الأرض ظلفا ( 3 ) ، ودونكه لم يقلَّب أرضه بيطار ، ولا لجناية به جبّار ، وجرحه جبار ، وعنده كما علمت دعاء مباح ، وثناء في الشكر

--> ( 1 ) الفدامة والفدومة : قلة الفهم ، والحمق ، والفدم من الناس : العييّ الثقيل ، القليل الفهم ، الأحمق الجافي ، وقد فدم فدامة وفدومة . لسان العرب والصحاح ( فدم ) . ( 2 ) الحزن ، بفتح الحاء وسكون النون : ما غلظ من الأرض . مختار الصحاح ( حزن ) . ( 3 ) الظلف ، بفتحتين : الأرض الَّتي غلظت واشتدّت ، وتستحبّ الخيل العدو فيها . وأرض ظلفة : غليظة لا تؤدّي أثرا ، ومنه الظلف في المعيشة وهو الشدّة . انظر الصحاح ، مادة ( ظلف ) ومعجم متن اللغة ( ج 3 ص 662 ) .